الشيخ محمد رشيد رضا
271
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التصنيف ، ويجوز ان يجهل كل فرد منهم العرف العام في كثير من المسائل ، وما اجتمع علماء عصر أو قطر للبحث عن عرف الناس في أمر ومحاولة ضبطه وتحديده ثم عجزوا عن معرفته وأحالوا في ذلك على العامة . ان من العلماء الفقير البائس والضعيف المنة ( المنة بالضم القوة والجلد ) والغني المترف ، والقوي الجلد ، وغير ذلك ، فيشق على بعضهم ما لا يشق على الجمهور ، ويسهل على بعضهم ما لا يسهل على الجمهور ، فالرجوع إلى العرف فيما يشق على الناس وما لا يشق عليهم ضروري لا بد منه ، وهو لا يعرف الا بمعاشرة الناس وتعرّف شؤونهم وأحوالهم ، وقد كثرت الدواهي في آراء الفقهاء الاجتهادية الذين يجهلون أمر العامة . ورحم اللّه من قال « الفقيه هو المقبل على شانه ، العارف بأهل زمانه » وما ذكره القرافي من التقريب محله مالا نص فيه ولا عرف مما يقع للافراد فيستفتون فيه ، واما نوط كل مالا نص فيه بآراء الفقهاء فهو الذي أوقع المسلمين في أشد الحرج والعسر من أمر دينهم حتى صاروا يتسللون منه لواذا ، ويفرون من حظيرته ذرافات وأفذاذا ، واستبدل حكامهم بشرعه قوانين الأجانب ، وجعلوا لهم ولأنفسهم حق التشريع العام ، ونسخ ما شاؤوا من الحدود والاحكام ، وسنعود إلى هذا البحث ان شاء اللّه تعالى * * * بعد ما بين تعالى هذه الأحكام ، وقاعدة رفع الحرج التي تم بها الانعام ، ذكرنا بما ان ذكرناه نكن من الشاكرين له والموفين بعهده فقال وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي تذكروا يا أيها المؤمنون إذ كنتم كفارا متباغضين متعادين فأصبحتم بنعمته عليكم بالهداية إلى الاسلام اخوانا في الايمان والاحسان . واذكروا ميثاقه الذي واثقكم به ، أي عهده الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمدا ( ص ) على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ، إذ قلتم له سمعنا ما أمرتنا به ونهيتنا عنه وأطعناك فيه ، فلا نعصيك في معروف ، وكل ما جئتنا فهو معروف . أخذ النبي ( ص ) العهد على الرجال والنساء بالسمع والطاعة فذكر اللّه تعالى عهد النساء في سورة الممتحنة ولم يذكر عهد الرجال وهو في معناه الا انه يتضمن معنى القتال لحماية الدعوة إلى الاسلام والدفاع عن أهلها . وكل نبي بعث في قوم أخذ عليهم ميثاق اللّه تعالى بالسمع والطاعة كما ترى مثال ذلك في الآيات الآتية .